الشيخ عبد الغني النابلسي
116
كتاب الوجود
قال : أعرفهم بنفسه » انتهى . يعنى من عرف نفسه التي هي القوة العاقلة بأنها قائمة بالوجود الواحد من حيث إمكانها وليس الوجود صفتها ، فعرف الأشياء كلها كذلك ، فقد عرف ربه الذي هو الوجود الواحد ، القائم بنفسه المقوم للأشياء كلها ، من غير أن يكون صفة لشيء من الأشياء مطلقا ، وهو معنى تجريد التوحيد الذي ذكره العارفون باللّه تعالى ، وهو معنى قول الجنيد « 1 » رضي اللّه عنه في التوحيد أنه تمييز القديم من الحادث « 2 » ؛ وذلك لأن الوجود وحده هو ذات اللّه - سبحانه وتعالى - وصفاته وأسماؤه ولا غير بالاعتبارات المعتبرة شرعا من غير تركيب ولا تبعيض ولا تجزية كما سنذكره . وجميع الأشياء على اختلافها بالأجناس والأنواع والأشخاص كلها قائمة من حيث إمكانها في أحوالها كلها بهذا الوجود الواحد الحق ، الذي لا وجود غيره ؛ وهو قوله تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ( سورة الفرقان : 2 ) ، فقد فسر قوله تعالى الخلق بالتقدير ، وذلك مرادنا هنا بالإمكان ، وقال تعالى : ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( سورة فصلت : 12 ) ، ولم يرد في الشرع إيجاد الأشياء غير قوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( النحل : 40 ) ، فلفظة « كن » هنا تحتمل
--> ( 1 ) الجنيد بن محمد بن الجنيد ، أبو القاسم النهاوندي الأصل البغدادي القواريري الخزاز ، وقيل : كان أبوه قواريريّا ، يعنى زجاجا ، وكان هو خزازا . كان شيخ العارضين ، وقدوة السائرين ، وعلم الأولياء في زمانه - رحمة اللّه عليه - ، ولد ببغداد بعد العشرين ومائتين فيما أحسب أو قبلها وتفقه على أبي ثور ، وسمع من الحسن بن عرفة وغيره ، واختص بصحبة السرى السقطي والحرمى وأبى حمزة البغدادي ، وأتقن العلم ، ثم أقبل على شبابه ، واشتغل بما خلق له ، وحدث بشيء يسير ، وكان يفتى في حلقة أبي ثور وهو ابن عشرين سنة . توفى - رحمه اللّه - سنة ( 297 ) ببغداد . ( 2 ) من أقوال الجنيد : الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر ؛ لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ، وقال : مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة ؛ وعلمنا هذا مشيد بحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وبلغ من تقديره أن كان الكتبة ( أي الأدباء ) يحضرون مجلسه لألفاظه ، والفقهاء لتقريره ، والفلاسفة لدقة نظره ومعانيه ، والمتكلمون لتحقيقه ، والصوفية لإشارته وحقائقه . [ انظر : هامش لطائف المنن ( 26 ، 27 ) ، طبعة دار المعارف ] .